حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

233

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

علم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، قادرا على كل المقدورات ، غير راض بالمنكرات والمحرمات ، فإذن الخوف من لوازم العلم باللّه ، وبهذا يعرف نباهة قدر العلم . ومن هنا أمر حبيبه صلى اللّه عليه وسلم بالازدياد منه حيث قال وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . ولم يكتف نبي اللّه موسى عليه السلام بما علم بل قال للخضر هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [ الكهف : 66 ] ولم يفتخر سليمان بالمملكة العظيمة بل افتخر بالعلم عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [ النمل : 16 ] ولولا شرف العلم لم يكن للهدهد مع ضعفه أن يتكلم بحضرة سليمان بقوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [ النمل : 22 ] وهكذا الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول على السلاطين ، وما ذاك إلا ببركة العلم . ومنها أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة » وذلك أن التفكر يوصلك إلى اللّه ، والعبادة توصلك إلى ثواب اللّه . وأيضا التفكر عمل القلب والعبادة عمل الجوارح . ومنها أن سائر كتب اللّه ناطقة بفضل العلم ، أما التوراة فقال لموسى : عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له . فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة . وأما الزبور فقال سبحانه لداود : قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء ، فإن لم تجدوا فيهم تقيا فحادثوا العلماء ، فإن لم تجدوا عالما فحادثوا العقلاء ، فإن التقي والعلم والعقل ثلاث مراتب ، ما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه ، وإنما قدم سبحانه التقى على العلم ، لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا من أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم ، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد ، ولهذا السر أيضا قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلا ، وأما العاقل فقد لا يكون عالما ، فالعقل كالبذر والعلم كالشجر والتقوى كالثمر . وأما الإنجيل فقد قال عزّ من قائل في السورة السابعة عشرة منه : ويل لمن سمع العلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار ؟ اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم ، وإن لم يرفعكم لم يضعكم ، وإن لم يغنكم لم يفقركم ، وإن لم ينفعكم لم يضركم . ولا تقولوا نخاف أن نعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجو أن نعلم فنعمل ، إذ العلم شفيع لصاحبه ، وحق على اللّه أن لا يخزيه ، وإن اللّه تعالى يقول يوم القيامة : يا معشر العلماء ، ما ظنكم بربكم ؟ فيقولون : ظننا أن ترحمنا وتغفر لنا فيقول : وإني قد فعلت ، إني استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم بل لخير أردته بكم ، فأدخلوا في صالحي عبادي إلى جنتي برحمتي . وبالجملة ، فكون العلم صفة شرف وكمال ، وكون الجهل صفة نقصان ، أمر معلوم للعقلاء بالضرورة ، ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل تأذى بذلك وإن كان يعلم أنه